الشيخ البهائي العاملي
9
الكشكول
[ خطبة الكتاب ] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم وبه نستعين الحمد للّه الواحد المعين ، وصلّى اللّه على سيدنا محمد وآله أجمعين . وبعد فإنّي لما فرغت من تأليف كتابي المسمى بالمخلاة ، الذي حوى من كلّ شيء أحسنه وأحلاه ، وهو كتاب كتب في عنفوان الشباب ، قد لفقته ونسقته وأنفقت فيه ما رزقته ، وضمنته ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين : من جواهر التفسير وزواهر التأويل ، وعيون الأخبار ومحاسن الآثار ، وبدائع حكم يستضاء بنورها ، وجوامع كلم يهتدي ببدورها ، ونفحات قدسية تعطر مشام الأرواح وواردات انسية تحيي رميم الأشباح ، وأبيات رائقة تشرب في الكئوس لسلاستها ، وحكايات شائقة تمزج بالنفوس لنفساتها ، ونفائس عرائس تشاكل الدرّ المنثور ، وعقائل « 1 » مسائل تستحق أن تكتب بالنور على وجنات الحور ، ومباحثات سديدة سنحت للخاطر الفاتر حال فراغ البال ، ومناقشات عديدة سمح بها الطبع القاصر أيام الاشتغال ، مع ترتيب أنيق لم اسبق إليه ، وتهذيب رشيق لم أزاحم عليه ، ثم عثرت بعد ذلك على نوادر تتحرك لها الطباع ، وتهش لها الأسماع ، وطرائف تسر المحزون ، وتزري بالدر المخزون ، ولطائف أصفى من رايق الشراب ، وأبهى من أيام الشباب ، وأشعار أعذب من الماء الزلال ، وألطف من السّحر الحلال ، ومواعظ لو قرئت على الحجارة لانفجرت ، أو الكواكب لانتثرت ، وفقر أحسن من ورد الخدود ، وأرق من شكوى العاشق حال الصدود « 2 » ، فاستخرت اللّه تعالى ، ولفقت كتابا ثانيا يحذو حذو ذلك الكتاب الفاخر ، ويستبين به صدق المثل السائر : « كم ترك الأول للآخر » . . ولما لم يتسع المجال لترتيبه ، ولا وجدت من الأيام فرصة لتبويبه ، جعلته كسفط « 3 » مختلط رخيصه بغاليه ، أو عقد انفصم سلكه فتناثرت لئاليه ، وسميته : بالكشكول « 4 » ليطابق اسمه اسم أخيه « 5 » ولم أذكر شيئا مما ذكرته فيه ، وتركت بعض صفحاته على بياضها لاقيد ما يسنح من الشوارد في رياضها كيلا يكون به عن سعة ذلك نكول ، فإن السائل في معرض الحرمان إذا امتلأ الكشكول
--> ( 1 ) عقائل جمع عقيلة بمعنى كريمة ونفيسة . ( 2 ) الصدود جمع الصد : أي المنع . ( 3 ) السفط كشجر : وعاء خاص . ( 4 ) الكشكول والكشكولة : وعاء السائل يجمع فيه رزقه والكلمتان من الدخيل ؛ وسمى المؤلف كتابه هذا بالكشكول لأنه جمع فيه أشياء كثيرة في موضوعات مختلفة . ( 5 ) أي المخلاة .